25 نوفمبر 2014

تقاسيم عود بياتي - محمد عفيفي

يحلق بنا الفنان محمد عفيفي في جولة هائلة على أوتار العود في 14 مقام شرقي تبدأ بالبياتي، منها 7 مقامات أصلية (بياتي، عجم، راست، حجاز، نوا أثر، نهاوند، شاهناز)، و6 مقامات مصورة منها 5 على النوا (فرحفزا، راست النوا، حجاز النوا، بياتي النوا، صبا النوا)، ومقام مصور على الحسيني (صبا الحسيني)، ومقام فرعي (شوري - من البياتي) 


لكن الأهم من عدد المقامات وأنواعها طريقة الانتقال من مقام إلى آخر وتوقيته وأسلوب العودة إلى مقام البداية أو مقام يؤدي إليه. وكما هو معروف هناك "مفاتيح" أو نقاط معينة في كل مقام تناسب الخروج من مقام إلى آخر، ومنها ما هو متوقع وشائع ومنها ما قد يمثل مفاجأة سارة للسامع.

يلاحظ استخدام لغة الحوار بين الجمل خاصة على أوكتافين جواب وقرار مما يعطي خاصية درامية للتقاسيم، كذلك استخدام العزف المزدوج على أكثر من وتر في نفس الوقت وهو تكنيك مهاري يتطلب مستوى أداء متميز

1 أكتوبر 2014

تقاسيم عود وموال مقام حجاز - محمد عفيفي

يقتصر هذا التقسيم القصير على مقام الحجاز لكنه يختم بموال من نفس المقام. لا نسمع هنا تفرعات كثيرة إلى نغمات أخرى كما هو معتاد في التقاسيم. ربما سبب ذلك زمنه المحدود لكن الأرجح أن التقسيم أريد به التمهيد لأداء الموال أكثر منه استعراضا للعزف والمقامات، لذلك فمن الطبيعي أن يقتصر على المقام الذي سيكون منه الغناء لتركيز المقام لدى العازف والسامع معا.
يشترك الموال و التقاسيم في خاصية لا توجد في القوالب الموسيقية والغنائية الأخرى وهي الارتجال. وكما أن الأصل في التقاسيم الارتجال الفوري بما يخطر على بال العازف في لحظات الاستغراق والتأمل، فكذلك الموال يفترض أن يكون ارتجاليا بمعنى ألا يتم إعداده مسبق أو كتابته بالنوتة الموسيقية.

لكن تم كسر القاعدة في النوعين على أي حال، خاصة مع انتشار أدوات التسجيل وإتاحة إعادة الاستماع إلى نفس العمل، فأصبحت المووايل والتقاسيم تأخذ صبغة مستقرة بمجرد تسجيلها. ومن سمات الاستقرار اكتساب التسميات التي قد تكون عنوانا للموال مأخوذا من بعض كلماته أو من ارتباطه بأغنية ما، أو عنوانا للتقسيم مبني على مقامه الأساسي أو اسم مؤلفه، كما في المقطوعات والسماعيات وغيرها من أشكال الموسيقى البحتة، أو من ارتباطه كذلك بأغنية.
وأول من ثبت لحن الموال هو محمد عبد الوهاب، فقد أدى أكثر من موال مستقل وأعطاها أسماء وعناوين عرفت بها، وبذلك كسر القاعدة في ارتجال المواويل، وتبعه كثيرون في ذلك، وهو ما عرف بتلحين الموال. 

21 أغسطس 2014

جميل يا ليل - غناء أسامة رؤوف - ألحان محمد عفيفي

غنى المطرب السكندري أسامة رؤوف أغنية "جميل يا ليل" من ألحان محمد عفيفي لإذاعة الإسكندرية عام 1992، بعد نحو خمس سنوات من عودة محمد عفيفي للتعامل مع الإذاعة التي قاطعها لأكثر من عشرين عاما. ترك محمد عفيفي الإذاعة عام 1960 إثر خلاف حاد مع مديرها حافظ عبد الوهاب انتهى بأن أقسم في مكتب حافظ ألا يدخلها طالما بقي حافظ مديرا لها.

كان محمد عفيفي في ذلك الوقت يقدم لإذاعة الإسكندرية 10 إلى 12 لحنا كل عام، نصفها تقريبا ألحان فردية والنصف الآخر داخل أوبريتات إذاعية. مع مرور الوقت انخفض إنتاج الإذاعة وأصبح لا يزيد عن لحن أو اثنين كل عام لكل ملحن. كانت أغنية "جميل يا ليل" سادس ألحان محمد عفيفي للإذاعة بعد عودته، وأول ألحانه للمطرب أسامة رؤوف، كلمات فوزي السعداوي، أما لحنه الثاني لأسامة رؤوف فقد كان في العام التالي 1993 بعنوان "أنا متفائل" من كلمات عبد المنعم كاسب. 
لحن محمد عفيفي "جميل يا ليل" من مقام زنجران النادر الذي ابتكره الشيخ سيد درويش ولحن منه دور "في شرع مين"، كما لحن منه الشيخ زكريا أحمد "ياحلاوة الدنيا" التي غنتها المطربة فتحية أحمد في أوبريت "يوم القيامة" عام 1945. ويتنقل اللحن بين مقامات شجية كالعجم وشوق أفزا القريبة من الزنجران، كما ضم موالا قريبا من الفولكلور السكندري أبدع أسامة رؤوف في أدائه.

يقترب الجو العام للحن "جميل يا ليل" من جو أغنية "يا حلاوة الدنيا" فهما من نفس المقام، لكن هناك تقاربا آخر في الخلفية هو النظر إلى معاني "حلاوة الدنيا" رغم مآسيها و "جمال الليل" رغم قسوة الليالي أحيانا، وهي لا شك دعوة للتفاؤل وتأمل الجانب الجميل في الحياة رغم كل شيء. وإذا تأملنا ألحان محمد عفيفي في تلك الفترة سنكتشف أغنيات تحمل عناوين مثل "الدنيا الحلوة"، "وحشتني ضحكتك"، "أنا متفائل"، افتحوا الأبواب" و "دنيا وردية"، وهي أغان وإن اختلف كتابها تشترك فيما بينها بأنها أغاني متفائلة، وبأنها من اختيار الملحن كما جرت العادة في إذاعة الإسكندرية، إذ كانت تمنح الملحن حرية اختيار الكلمات من عشرات النصوص التي تعرض عليه، ولا شك أن الملحن هنا قد خط خطا يربط بين تلك الأغاني عكس في الواقع جانبا هاما من شخصيته هو ونظرته للحياة.
أسامة رؤوف
وأسامة رؤوف من الفنانين المتميزين الذين قدمتهم الإسكندرية، ويتمتع بصوت حساس وأداء معبر، ومن أشهر ما قدم أغنية سيناء "أرض الفيروز" من ألحان محمد الموجي، كما قدم للسينما من ألحان الموجي أيضا أغنية "شيء غريب شيء عجيب" في فيلم منتهى الفرح الذي غنى فيه محمد عبد الوهاب أغنيته "هان الود" عام 1963. لكن أسامة رؤوف اختار أيضا الالتزام بالإقامة في مدينته الإسكندرية، وبذلك اشترك مع الملحن القدير محمد عفيفي في البعد عن أضواء العاصمة.

أتذكر جيدا كيف كان لقاء أسامة رؤوف ومحمد عفيفي أثناء أداء بروفات هذا اللحن فقد شرفني الاثنان في منزلي بينما قمت بعزف اللحن على الأورج، وكان أسامة يجتهد كثيرا في أداء البروفة، لكنه كان يتوقف في بعض المقاطع ليبدي إعجابه بها. وأعتقد أن لدي نسخة تم تسجيلها لإحدى تلك البروفات ربما تتاح الفرصة لنشرها. 

مرت سنوات طويلة على هذا اللقاء بأسامة رؤوف، وكان لي شرف لقائه قبل ذلك في عمل فني بأغنية من ألحاني لإذاعة الإسكندرية أيضا عام 1990 يقول فيها الشاعر حمدي حامد مخاطبا المدينة العزيزة التي يعشقها أبناؤها وغير أبنائها "وكل الدنيا من بعدك .. مجرد نقطة ع الهامش"! 

ثم دعوته هذا العام 2014 للاشتراك في أمسية فنية بمناسبة ذكرى ميلاد الفنان محمد عفيفي، وذكرت له أن يجب تكريمه هو الآخر بعد هذا المشوار الطويل، وقبل الدعوة مشكورا لكنه اعتذر في آخر لحظة لأسباب صحية، لكن المفاجأة الأكبر كانت في تصريحه لي بأنه لا يحتفظ بتسجيلات أغانيه ولا أرشيف ولا أي شيء من أعماله! كانت هذه صدمة لي لكني وعدته بأني سأعرض ما أحتفظ به من أعماله في مكتبتي، وهذه الأغنية اليوم هي أول ما أمكن. وبهذه المناسبة أدعو كل من يقرأ هذه السطور ممن لديهم مكتبات فنية بعرض ما لديهم حتى لا تضيع تلك الثروات بمرور الزمن.

بقيت الإشارة إلى أن صوت المذيع الذي قدم الأغنية في هذا التسجيل الإذاعي هو صوت "صابر مصطفى" ابن إذاعة الإسكندرية البار والذي تدرج في مناصبها حتى كبير مذيعين ثم تولى إدراتها بعد خروج حافظ عبد الوهاب، وكان له دور هام في عودة محمد عفيفي للإذاعة.

25 يوليو 2014

تقاسيم عود سيكاه هزام - محمد عفيفي

تقاسيم عود مقام سيكاه هزام - الموسيقار محمد عفيفي
 
مقام الهزام مقام شرقي أصيل وهو أحد فروع مقام السيكاه. والمقام الأصلي وفرعه من المقامات الشرقية التي ليس لها نظير على الإطلاق في الموسيقى الغربية، ولذلك يحتفظ المقام بأصالة مستمدة من روح الشرق وثقافته. يرتكز الأصل والفرع على الدرجة الثالثة في السلم الشرقي "سيكاه"، ويختلفان في الجنس الأوسط حيث يكون راست على النوا في مقام السيكاه وحجاز على النوا في الهزام. تعادل الدرجة الثالثة في الأسماء الغربية درجة "مي" لكنها ناقصة ربع درجة عن الدرجة الطبيعية، وتعادل درجة النوا درجة صول على السلم الغربي. 
هذا التغيير في وسط مقام السيكاه من الراست إلى الحجاز يضيف تأثيرا عاطفيا كبيرا إلى المقام، مما جعله يعرف باسم "هزام" مع عدم الإشارة إلى المقام الأصلي المتفرع عنه. وسواء تم عزف الموسيقى على العود أو الكمان أو القانون أو الناي يبقى التأثير الناتج عن تغيير أبعاد المقام أقوى من تأثير تغيير الآلة. 

ينتقل العزف في هذه التقاسيم من مقام الهزام بتغييرات طفيفة في الجنس الأوسط إلى أنغام الراست على النوا، وهو بذلك يعيد الهزام إلى أصله، ثم إلى بياتي النوا، وهو من التفرعات المنطقية لمقام السيكاه، ثم يعود سريعا إلى ركوز المقام في كل مرة. 
لكنه قرب النهاية يعلو مع ازدياد القوة والحركة إلى مقام راست الكردان، وهو جواب مقام الراست المعتاد، مع تبادل سريع للعزف على أكثر من وتر في نفس الوقت، وحينما يعود إلى مقام الهزام نكتشف الفرق الكبير بين المقامين وما يناسب كل منهما في التعبير النغمي
من أمثلة الألحان المعروفة من مقام الهزام موشح "وجهك مشرق" من تلحين محمد عثمان، ولمحمد عبد الوهاب سماعي كامل باسم "سماعي هزام" ألفه في أول عهده بالتأليف الموسيقي قبل أن يترك السماعيات إلى الموسيقى الحرة.

6 يونيو 2014

أحب الورد - غناء فتحية أحمد - ألحان محمد عفيفي

أحب الورد حقيقة من كلاسيكيات الموسيقى العربية، وقد غنتها مطربة القطرين فتحية أحمد باقتدار لا يجارى. وهي تذكر السامع بكلاسيكيات أم كلثوم في الحان القصبجي والسنباطي وزكريا أحمد. وربما لا يمكن تخيل أن باستطاعة أحد إبداء هذه المقدرة الفريدة على الأداء غير فتحية وأم كلثوم.  سجلت فتحية أحمد "أحب الورد" ضمن باقة من ألحان محمد عفيفي في أبريل 1953 لإذاعة لندن، وبين عامي 1952 و 1953 تم تسجيل 4 أغنيات أخرى لإذاعة القاهرة حسب سجلات الإذاعة المصرية.
أحب الورد - غناء فتحية أحمد - ألحان محمد عفيفي - مقام راست
كان محمد عفيفي قد أعد بضعة ألحان لأم كلثوم لكن اللقاء لم يكتمل لأسباب خارجة عن إرادته كما قال. وربما عوضنا أداء فتحية أحمد في هذا اللحن الغني بالمقامات الشرقية الأصيلة والجمل المركبة والاستعراض الصوتي الجميل عن عمل ما يجمع بين محمد عفيفي وأم كلثوم. فالمطربتان على أي حال يتشابه صوتهما ويتقارب أداؤهما إلى حد يحير السامع. وإذا كانت أم كلثوم قد ترددت في تسجيل ألحان محمد عفيفي فإنه لم ينتظر إجابتها للأبد، وعندما طلبت منه فتحية بضعة ألحان لم يتردد، وهو يعلم أن هذا سيؤثر قطعا على صفقة محتملة مع كوكب الشرق، لكن فتحية أحمد كانت منافسة أم كلثوم على ذات اللقب ..  ونترك الحكم للمستمع.

23 مايو 2014

إنت جيت - ألحان محمد عفيفي

أغنية "إنت جيت" إحدى 3 أغنيات لكوكب الشرق أم كلثوم من ألحان الفنان محمد عفيفي. أعد اللحن عام 1943 وسجل لإذاعة القاهرة عام 1944 واقتبس منها صديقه الشيخ زكريا أحمد موسيقى أغنية "الورد جميل" لأم كلثوم، وكذلك القفلة الغنائية المميزة، عام 1947.
سنستمع هنا إلى لحن "إنت جيت" بصوت ملحنها، وربما لا نحتاج إلى الاستماع إلى نظيرتها "الورد جميل" لزكريا أحمد، من فيلم "فاطمة"، نظرا لشهرتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنه ليست هناك حاجة لإيضاح أو شرح أوجه الشبه بين اللحنين. 
وفنيا تتركز أوجه الشبه في عدة عناصر، بعضها عناصر عامة يمكن أن تتشابه فيها ألحان كثيرة وهي:
1. المقام الأساسي: راحة أرواح، وهو فرع مصور من فروع مقام السيكاه
2. الإيقاع: فالس
3. القالب: الأغنية القصيرة
4. تفرع المقامات من المقام الأساسي
·       الكوبليه الأول من المقام الأساسي في الأغنيتين
·       الكوبليه الثاني من مقام البياتي في الأغنيتين
·       الكوبليه الثالث من مقام راست النوا في الأغنيتين
5. أعدت الأغنيتان لتغنيهما أم كلثوم

ويظهر عنصران آخران كاقتباس فقرات بذاتها، وهما كما ذكرنا:
6. اللازمة" الموسيقية الرئيسية في الورد جميل والتي تتكرر بين الكوبليهات، من مقام راست النوا، وهي مقتبسة، تقريبا كما هي، من لازمة الكوبليه الأخير في "إنت جيت".
7. الجملة الغنائية الختامية في المذهب "شوف واتعلم" والمقارنة سهلة جدا بين الجملتين.

8. هناك خاصية مميزة لهذا اللحن، فالأغنية بالكامل على إيقاع واحد، وهو إيقاع غير تقليدي إذ أنه ثلاثي وليس رباعيا، وليس من المعتاد عمل لحن كامل على إيقاع ثلاثي، وهذا ينحو بها إلى فلسفة معينة في التلحين هي الحفاظ على تجانس ووحدة اللحن والجو العام. يتضح ذلك أكثر إذا قارننا هذا النوع من الألحان بأخرى يتوقف فيها الإيقاع ليبدأ آخر، وهذا هو الشائع عند زكريا ومعظم الملحنين. 

وربما تدعونا هذه النظرة إلى اكتشاف "إنت جيت" باعتبارها الأصل الذي أوحى للشيخ زكريا لحن الورد جميل. ولهذا ندعو كل النقاد والمؤرخين والإعلاميين إلى إعادة اكتشاف أعمال الرواد الذين لم تكتب لهم الشهرة مثل غيرهم، وعلى رأسهم الفنان محمد عفيفي، وأيضا لاكتشاف المواهب الجديدة في عالم الفن وعدم الاكتفاء بالأسماء المعروفة، والتي قد يصنع الكثير منها الإعلام أكثر مما يصنعها الفن.

ومن أسرار ذلك اللحن "إنت جيت" أن الشيخ زكريا استمع إليه مباشرة من الملحن، حيث كانت تربطه به صداقة كبيرة، وكان عفيفي يستضيفه في منزله كلما قدم زكريا إلى الإسكندرية. ولم يقتصر الأمر على إعجاب عفيفي بألحان الشيخ زكريا الأصيلة، فقد كان زكريا أيضا يطلب منه أن يسمعه ألحانه كلما اجتمعا في سهرة فنية.
وصداقات عفيفي مع كبار الملحنين ليست أمرا غير معروف، فقد كانت تربطه صداقة بمحمد عبد الوهاب، وكانا يلتقيان في الإسكندرية وفي القاهرة أيضا منذ أن تعارفا عام 1929 في حفل على مسرح زيزنيا، وكان عبد الوهاب يتوسط أحيانا لحل بعض القضايا بين محمد عفيفي والإذاعة، كما كان على صلة بالموسيقار العظيم محمد القصبجي والتقى به كثيرا. 
هل اكتشفت أم كلثوم اقتباس زكريا للحن الورد جميل؟ لا أحد يدري متى تم لأم كلثوم ذلك، لكنها قاطعت زكريا أحمد مباشرة بعد تسجيل اللحن وعرض فيلم "فاطمة" عام 1947 لمدة 13 عاما وإلى قبل وفاته بعام واحد. كانت هناك مسائل أخرى عالقة بين أم كلثوم وزكريا وصلت إلى ساحات المحاكم، لكن هذه المسألة حسمها عفيفي الذي لم يشأ إحراج صديقه بأي شكل. 
سجل محمد عفيفي الأغنية بصوت "فوزية أحمد" لإذاعة القاهرة في أوائل عام 1944، وبالتحديد في شهر يناير حسب ما ورد في سجلات الإذاعة المصرية. وعلى هذا يكون قد تم عرض اللحن على أم كلثوم خلال عام 1943 لكنها لم تأخذ قرارا فيه. لم ينتظر محمد عفيفي إجابة أم كلثوم كثيرا، وسارع إلى تسجيله بصوت مطربة أخرى. 

كان محمد عفيفي شابا دون الثلاثين من عمره، ومقارنة بأعمار الملحنين الآخرين لأم كلثوم كان القصبجي في الخمسين، وزكريا دون الخمسين بقليل، والسنباطي تجاوز الأربعين عاما، وكانوا في ذلك الوقت أسماء كبيرة في عالم الفن. هل حال صغر سن محمد عفيفي في ذلك الوقت دون إتمام الاتفاق بينه وبين أم كلثوم؟ ربما .. لقد قبلت أم كلثوم عام 1959 لحنا من ملحن شاب هو بليغ حمدي وكان في مثل سن محمد عفيفي تقريبا عندما غنت له أم كلثوم، لكنها لم تلتق به وإنما قدم لحنه إليها الفنان محمد فوزي، وقبلته على أنه من ألحانه، وكان قد تجاوز الأربعين وحقق شهرة لا بأس بها، ثم فوجئت أم كلثوم باعتراف فوزي بأن اللحن ليس له وإنما من ألحان ملحن جديد. لم تستطع أم كلثوم سحب موافقتها على اللحن لمجرد علمها بأن ملحنه شاب في مقتبل العمر وإلا اعتبر نوعا من التمييز، وعليه فقد مضت الشوط لآخره. 

كانت هناك ألحان أخرى لمحمد عفيفي أمام أم كلثوم مثل "حلفت لي" و"الدنيا غنت"، لكن أم كلثوم لم تبت في الأمر، وأيضا لم ينتظر عفيفي طويلا وقرر تسجيلهما بأصوات أخرى.

عام 1952 اتفق محمد عفيفي مع مطربة القطرين فتحية أحمد، منافسة أم كلثوم القوية، على 7 ألحان دفعة واحدة عندما قامت بزيارته في الإسكندرية، سجلت منها 5 ألحان، وهنا توقفت المفاوضات بين أم كلثوم ومحمد عفيفي بسبب قيامه بالتلحين لمنافستها، تماما كما توقف التعامل بينها وبين محمد القصبجي بسبب تلحينه لأسمهان. لكن الأمر بالنسبة إليه كان مجرد "تحصيل حاصل" فهو لم يطق طول الانتظار وربما طوى صفحة أم كلثوم قبل أن تطويها هي، على عكس ما أظهره القصبجي من صبر طويل أملا في أن تغني له أم كلثوم مرة أخرى، وهو ما لم يحدث. هذا لم ينزل من قدر أم كلثوم عند محمد عفيفي فقد كان يكن لها تقديرا كبيرا لموهبتها الفذة في الغناء، وكان يعتبر الفن بالنسبة له أهم من البيزنس والشهرة، ولذلك لم يلتفت كثيرا إلى ظروف الأعمال والاتفاقات، ومضي يقدم ألحانه دون اكتراث.

كذلك لم يكترث باقتباس زكريا للحنه ولم يتوقف عنده كثيرا، وقدر أن الرجل ربما تأثر بما سمع وعلق اللحن في أذنيه فخرج عفويا دون قصد النقل أو الاقتباس، وكان عفيفي يحمل إعجابا كبيرا للشيخ زكريا وقال عنه ذات مرة واصفا تمكنه من التلحين "الشيخ زكريا عندما يلحن يخيف الملحنين الآخرين". كما ظل عفيفي على إخلاصه لزكريا بعد رحيله وقام بإرساء تقليد إحياء ذكرى الشيخ زكريا كل عام على مسارح الإسكندرية، وكان يقدم بنفسه ألحانا غير معروفة لزكريا في العروض الحية والندوات، وقرن بينها وبين ذكرى بيرم التونسي، وهو التقليد الذي انتقل للقاهرة فيما بعد.

عام 1969 جاء إلى الإسكندرية وفد إذاعي من إذاعة الشرق الأوسط برئاسة كبير المذيعين "محمد أنور" للقاء محمد عفيفي في قصر ثقافة الحرية، مركز الإبداع حاليا. كان بصحبة محمد أنور الإعلاميان الكبيران حسن شمس ، وحسن حامد الذي تولى رئاسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون فيما بعد. كانت الزيارة لاستطلاع أعمال الفنان السكندري الذي لا يرغب في العمل بالقاهرة، وتسجيلها في حلقة خاصة من برنامج "سهرة مع فنان". وكان الكنز الثمين الذي ظفر به ذلك الوفد هو تسجيلات لألحان محمد عفيفي لأم كلثوم . وبالفعل سجل الفريق أغنيتين إحداهما كانت "إنت جيت". 
وعندما سئل عفيفي في البرنامج لماذا لم تر هذه الألحان النور ولم تقم أم كلثوم بتسجيلها قال "أسباب خارجة عن الإرادة". 
كانت أم كلثوم على قيد الحياة وفي عز نشاطها، وتنتبه إلى كل صغيرة وكبيرة في الوسط الإعلامي تذكر اسمها، بدليل موقفها من الإذاعية الكبيرة آمال فهمي بسبب كلمة في برنامجها، وإصرارها على أن تترك الإذاعة تماما، وهو ما حدث بالفعل. أذيع برنامج "سهرة مع فنان" وأعيدت إذاعته وسمعه الكثيرون، ولم تنف أم كلثوم اتفاقها مع محمد عفيفي كما أذيع، وربما اعتبر الطرفان أن تلك الاتفاقات قد عبرها الزمن ولا ضير من تذكرها. 
لنستمع الآن إلى "إنت جيت" .. كلمات عبد الرحمن عمر وألحان محمد عفيفي 
تسجيل نادر بصوت الملحن

17 مايو 2014

تقاسيم عود نوا أثر - محمد عفيفي

تقاسيم عود مقام نوا أثر للأستاذ عفيفي
رحلة مؤثرة مع أنغام هذا المقام الشرقي الجميل على عود الفنان محمد عفيفي، يبدأ بالنوا أثر، هذا المقام النادر، ويصحبنا فيها عبر مقامات متعددة إلى أن ينتهي بنفس المقام. 
يتنقل التقسيم في سبعة مقامات من المقام الأساسي إلى الراست والنهاوند والحجازكار، على نفس درجة الركوز أو أساس المقام، ثم إلى كورد وبياتي النوا وحجاز النوا، المرتكزة على خامسة المقام، قبل العودة إلى المقام الأصلي.
ويظهر أسلوب محمد عفيفي في التركيز على الخيال النغمي مع إضافة بعض التقنيات في العزف لإظهار إمكانيات الآلة وقدرات العازف. 
من الألحان المعروفة من مقام النوا أثر دور "عواطفك" لسيد درويش وموسيقى ولحن الكوبليه الثاني في أغنية "فكروني" لأم كلثوم من ألحان محمد عبد الوهاب. 

14 مايو 2014

تقاسيم عود راست - محمد عفيفي

تقاسيم عود نادرة على العود للأستاذ عفيفي من مقام الراست
يبدأ العزف بالراست وينهي به، لكنه بين البداية والنهاية ويتجول ويتنقل بين المقامات المختلفة، ويبين لكل منها مدى اقترابه أو صلته بالمقام الرئيسي، والأهم .. كيفية الانتقال ومن أي درجة في السلم الموسيقي يتم الانتقال المقامي الذي يجمع بين الاشتقاق السليم والذوق السليم، ثم كيفية العودة إلى المقام الأصلي بسلاسة ودون تعقيد. 
وتقترب مدرسة محمد عفيفي في العود من مدرسة القصبجي والسنباطي القائمة على الخيال النغمي، لكنه يضيف إليها أحيانا لمسات تقنية تظهر إمكانيات الآلة وبراعة العازف. 
أما العود الذي نستمع إليه في هذا التسجيل، وهو عوده الخاص، فقد تجاوز عمره المائة عام، وهو صديق عمر الفنان حيث اقتناه في شبابه واحتفظ به دائما في حالة ممتازة. من خصائص ذلك العود خفة وزنه البالغة وجفاف الخشب المصنوع منه، وبالتالي لا يمتص الأصوات الصادرة عنه، مما يعني رنين صاف وأنغام نقية.

6 مايو 2014

موسيقى أغنية بافكر فيكي - ألحان محمد عفيفي

قدمت أغنية بافكر فيكي لأول مرة عبر إذاعة القاهرة في شهر مارس عام 1941 باسم "أفكر فيكي" وغناها محمد عفيفي بصوته، ويقول مطلعها "بافكر فيكي والنوم في عينيّ .. يعني يرضيكي .. تعذيبك فيّ ..؟" من كلمات الشاعر عبد الله خضر. 
الأغنية من مقام عجم دوماجير وعلى إيقاع الرومبا. وكان الرومبا إيقاعا مستحدثا ونادرا في ذلك الوقت إذ لم يسبق أن استخدمه سوى محمد عبد الوهاب في أغنية "جفنه علم الغزل"، وما زال نادرا حتى الآن في الموسيقى الشرقية بعد أن دخلنا في القرن الواحد والعشرين. 
نستمع في التسجيل إلى الموسيقى فقط دون الغناء، وقد سجلت في حضور الأستاذ عفيفي شخصيا على سبيل الإعجاب والتذكر أثناء لقاء جمعه بالفنان السكندري أسامة رؤوف الذي كان يؤدي بروفة أغنية له من ألحان محمد عفيفي لإذاعة الإسكندرية بعنوان "جميل يا ليل" عام 1992، ولذلك تم عزفها على آلة واحدة هي الأورج.
وأغنية بافكر فيكي من أنجح ألحان محمد عفيفي ويعود ذلك إلى جملها الخفيفة المبتكرة وإيقاعها السريع، والمستمع إليها الآن ربما لا يصدق أنها صنعت في ذلك الوقت المبكر، لكن من سمات التجديد والابتكار في كل وقت أنه يحفظ للعمل الفني قيمته لسنوات طويلة، ولذلك يقال عن فنان ما أنه "سابق عصره". على الرغم من ذلك قدم الفنان محمد عفيفي ألحانا مغرقة في الشرقية الأصيلة ومنها ألحانه لمطربة القطرين فتحية أحمد وغيرها.

24 أبريل 2014

محمد عفيفي والإسكندرية - معالم وذكريات

بتمسكه بالبقاء بمدينته الإسكندرية أتاح محمد عفيفى الفرصة لشباب المدينة ومجتمعاتها وهيئاتها الثقافية والأدبية للاستفادة من وجوده كأستاذ رائد في الموسيقى الشرقية في مدينة يتركها الرواد دائما. فقد غادرها إلى القاهرة سلامة حجازي وكامل الخلعي وسيد درويش ومحمود الشريف، سعيا وراء فرص أفضل في العاصمة.
وبإنشائه العديد من الفرق الموسيقية والغنائية التي اشتهرت بجودة المادة الفنية وأصالتها ظهر كثيرون على مدرسته، تلك المدرسة التي ابتعد فيها عن فن اللهو وقدم عليه الفن الهادف والممتع فى نفس الوقت. وشاركت تلك الفرق في احتفالات الإسكندرية القومية والاجتماعية والفنية على مدى خمسين عاما متواصلة، منها فريق كورال سيد درويش الشهير بقصر ثقافة الحرية، مركز الإبداع لاحقا، وفرق جامعة الإسكندرية، والفرق الموسيقية الإقليمية، والشعبة الغنائية لفرقة الإسكندرية للفنون الشعبية.

ومن خلال ألحانه للإذاعة قدم الكثير من المواهب الجديدة التي دربها على الأداء الجيد، وساهم في إثراء أرشيف الإذاعة بالعديد من التسجيلات القيمة منها عدة أوبريتات شارك فيها عدد كبير من المطربين.
ومن خلال تليفزيون الإسكندرية قدم حلقات برنامجه الفني "أرابيسك" كما سجل عدة برامج عن أعمال كبار الفنانين خاصة سيد درويش وزكريا أحمد. وكان التليفزيون حريصا على استضافته لتقديم ما لديه من فنون فى مناسبات إحياء ذكرى الفنانين الكبار.
ولم تنسه الإسكندرية فقد جرى تكريمه فى مناسبات كثيرة، ونال التقدير من محافظة الإسكندرية وجامعتها، كما رشحته جهات عديدة لنيل الجوائز منها مديرية ثقافة الإسكندرية وهيئة الفنون والآداب وغيرها
محمد عفيفي - مسرح سيد درويش
فرص وتضحيات
وقد ضحى محمد عفيفى بمشوار فني مرموق بالقاهرة أفي أكثر من مناسبة، ولاحت له فرصا عديدة بدأت عندما عرض عليه محمد عبد الوهاب العمل معه في القاهرة، احتراما لرغبة والده الذي رفض سفره، وضحى مرة أخرى عندما ألح عليه صديقه محمود الشريف بعد وفاة والده بسنوات في الذهاب معه إلى القاهرة، حتى لا يترك والدته بالإسكندرية بمفردها حيث لم ترد مغادرة المدينة، وضحى مرة ثالثة عندما توفيت والدته بعد ذلك بعشر سنوات، وكان متزوجا حديثا، تلبية لرغبة زوجته فقد كانت الأسرة عنده أهم من الشهرة والنجومية، ثم مرة رابعة عندما عرض عليه قيادة فرقة الموسيقى العربية بالقاهرة بعد وفاة قائدها عبد الحليم نويرة فقد رفض ترك الإسكندرية التي أحبها وصار من أعلامها. وكان يجد في بحرها وشواطئها الكثير من سحر الطبيعة الأخاذ، وفى جوها النقي المنتعش دائما أفضل صديق صيفا وشتاء، وفى معالمها الكثير من الذكريات والشجون التي لا يطيق فراقها.

فى أحد اللقاءات التليفزيونية قال الناقد الموسيقى عبد الفتاح البارودي عن الإسكندرية " سيد درويش نفسه لو بقي بالإسكندرية لما سمع عنه أحد"، وهذه حقيقة مع الأسف لكن فناننا لم يأبه بها وظل على إخلاصه ولم ييأس يوما من الفن ولم يعتزله، وإنما بقي يقدم ما استطاع في مدينته. وليت للإسكندرية نصيب كنصيب القاهرة من الفرص والأضواء ، لكن الحال كذلك في معظم بلاد الدنيا، والعواصم تستأثر بكل شئ.
بهذا يكون محمد عفيفى قد أمتع جمهور الفن الراقي على مدى سنوات طويلة تجاوزت السبعين عاما لم يتخل فيها عن مدينته وشعبها المحب للفن والمتذوق له، وظل على قيمه ورسالته في تكريس الأصالة ورفع الذوق العام.

مسرح زيزنيــا
شهدت أماكن كثيرة في تلك المدينة لقاء عفيفي بالناس والأصدقاء والفن والفنانين، فأول لقاء له بمحمد عبد الوهاب عام 1929 كان على مسرح زيزنيا، مسرح المدينة الأول عندما طلب منه الجمهور الغناء، وكان شابا صغيرا، في حضور عبد الوهاب الذي استمع إليه، وفي تلك الليلة تلقى دعوته للعمل معه في القاهرة، في نفس المكان الذي شهد التحول الكبير في حياة عبد الوهاب. فقد غنى في حضور أمير الشعراء أحمد شوقي على مسرح زيزنيا عام 1924، وكان شوقي قبلها بعشر سنوات قد استصدر أمرا من حكمدار القاهرة بمنع عبد الوهاب من الغناء في المسارح لصغر سنه، ويذكر عبد الوهاب تلك الواقعة بمرارة شديدة عندما يطلب شوقي لقاءه أثناء العرض. لكن شوقي يثني عليه هذه المرة ويشجعه بل ويتبنى بنفسه إعداده ليكون نجما مثقفا وليضعه في الصف الأول ويقدمه إلى صفوة المجتمع.
ميدان المنشية - الإسكندرية
معهد الموسيقى العربية
مازال معهد الموسيقى العربية في الإسكندرية حيث درس المئات من عشاق الموسيقى بنفس موقعه القديم بشارع مسجد العطارين، وكان مدير المعهد ومؤسسه الفنان عابس جمجوم شخصية غير عادية. فبالإضافة إلى مهاراته كعازف قانون كان مثقفا ذا رؤية جعلته يضطلع بمهمة تأسيس المعهد وإدارته بكل دقة ونظام. وكان موهوبا في الخط العربي، وهناك مدونات بخطه يحتار فيه الإنسان ولا يكاد يصدق أن ما يرى ليس خط المطبعة. والأعجب أن هذه احتوت على تدوين موسيقي للنوتة والأشكال الموسيقية بدقة متناهية، تماما كالكتب المطبوعة. اختار عباس جمجوم الفنان محمد عفيفي لتدريس الموسيقى النظرية وآلة العود بالمعهد وجمعتهما صداقة فنية تعدت حدود المعهد، فكان إذا ظهر حان موعد إذاعة لحن لمحمد عفيفي يستضيفه جمجوم للاستماع إليه سويا في حديقة المنزل، ويجعل من هذه المناسبة احتفالا، وخاصة ألحانه للمطربة فتحية أحمد في أوائل الخمسينات. استمر محمد عفيفي في عمله بمعهد الموسيقى بعد وفاة عباس جمجوم حتى جاء وقت فقد فيه المعهد حسن الإدارة وقطعت عنه الإعانة الحكومية وظهر بعض المنتفعين الذين أرادوا تحويل المكان إلى وسيلة للاسترزاق والتكسب بإقامة الحفلات الخاصة وإحياء الأفراح، وأمام هذا الموقف ترك عفيفي المعهد نهائيا وكان قد أمضى به 20 عاما من 1944 إلى 1964. والآن بعد سبعين عاما في 2014 لا يزال المعهد في مكانه ولكنه فقد بريقه الأول، ونفضت وزارتي التعليم والثقافة أيديهما عنه وتحول إلى جمعية خيرية فقيرة، دون دعم من أي جهة رسمية أو شعبية. أما المكان نفسه فقد أهمل تماما ولم يعد يجذب الرواد.

الجامعة الشعبية
أثناء وجوده بمعهد الموسيقى كان عفيفي قد انتدب أستاذا للموسيقى فيما عرف وقتها بالجامعة الشعبية. وكانت تلك الجامعة أشبه بالجامعة المفتوحة الآن، تتيح التعلم لكل يريد في مجالات شتى منها الموسيقى. كانت الدراسة شبه مجانية ولا تمثل عبئا ماليا يذكر على الدارسين، وكانت مواعيد الدراسة في مقارها مسائية، مما أتاح للكثيرين الالتحاق بها دون تعارض مع أعمالهم أو دراساتهم الأخرى. ألغيت الجامعة الشعبية دون أسباب واضحة في الستينات، لكن المواد الثقافية منها انتقلت إلى هيئة جديدة هي قصور الثقافة. وامتد انتداب محمد عفيفي للهيئة الجديدة فتركز نشاطه في قصر ثقافة الحرية الكائن بطريق الحرية، شارع فؤاد سابقا، مركز الإبداع الآن.
قصر ثقافة الحرية - الإسكندرية - مركز الإبداع
قصر ثقافة الحرية
كان قصر الحرية فيما مضى ناديا اجتماعيا أنشأه الأمير محمد علي، صاحب القصر الشهير بالقاهرة الذي يحمل اسمه. وكان القصر تحفة معمارية من الخارج والداخل، إلى حد أنه بعد رصد 5 ملايين جنيه لتجديده في التسعينات تجد الأبواب والنوافذ كما هي لم تستبدل من فرط جودتها. كان بالقصر عدة قاعات خصصت قاعة منها للندوات والاحتفالات، كما خصصت قاعة للتدريب الموسيقي شهدت مولد فريق كورال سيد درويش. وشهدت هاتين القاعتين أكبر نشاط موسيقي للقصر بدءا من 1967 وحتى 1990 حينما أغلق القصر للتجديد.
وإلى ذلك القصر جاءت وفود إعلامية من القاهرة للقاء محمد عفيفي لتسمع منه ولتسجل له بعض البرامج الإذاعية والتليفزيونية. وممن التقى به من الإعلاميين حسن حامد، حسن شمس، سميحة دحروج، سهير الأتربي، ومحمد أنور. ومن الصحفيين جاء عبد الفتاح البارودي وعبد الله أحمد عبد الله، ومن الموسيقيين سليمان جميل وعلي فراج ورتيبة الحفني. ومن الأدباء يوسف السباعي وزير الثقافة، وسعد الدين وهبة وكيل وزارة الثقافة، ومن المخرجين حسن عبد السلام. وشهد القصر نشاطا متباينا في فترات مختلفة على مدى ربع قرن من الزمان، وأنشط فتراته كانت أثناء إدارة محمود دياب، الكاتب المسرحي، ومحمد غنيم.
وكان زائر القصر في أي وقت يشعر بأنه خلية نحل، فهناك قاعة الأدب، وقاعة الموسيقى وقاعة الفنون التشكيلية وقاعة للمسرح، إلى آخره، وكلها تمتلئ بالرواد ومحبي الفنون من كل نوع.
مسرح سيد درويش - الإسكندرية
مسرح سيد درويش
وفي الإسكندرية شهد مسرح سيد درويش، احتفاليات كبرى شارك فيها محمد عفيفي، أهمها أوبريت العشرة الطيبة وأوبريت شهرزاد لسيد درويش، التي عرضت لأول مرة على نفس المسرح عام 1921 أثناء حياة سيد درويش. وقد أعيد تقديمهما من إخراج حسين جمعة، وتولى محمد عفيفي مهمة تحفيظ وتدريب فرق الأوبريت ومراجعة النوت الموسيقية، بحضور صديقه محمد البحر نجل سيد درويش. وشهد المسرح أيضا عروضا في مناسبات أخرى عديدة منها العيد القومي في 26 يوليو، وإحياء ذكرى الفنانين الراحلين، وقدمت عليه عروضا لكورال سيد درويش الذي قدم ألحانا لسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد عفيفي.
ويشعر الزائر لذلك المسرح بجو غاية في الفخامة والعناية، وقد بني عام 1921 على طراز مستوحى من تصميم دار أوبرا فيينا بالنمسا، صممه المهندس الفرنسي "جورج بارك" في مربع 4000 متر تقريبا بمدخل شارع فؤاد بالقرب من قصر الثقافة، ويسع 1000 مقعد. وكان المسرح يحمل اسم الأمير محمد علي أيضا الذي أشرف على بنائه، ثم أطلق عليه اسم سيد درويش عام 1962، وشعر أهل المدينة ومن وقتها بأن ذلك المبنى العريق وقد أصبح ينتمي إلى فنان الشعب أنه أقرب إليهم من أي وقت مضى، لكن المسرح ما زال يحمل الإسمين على واجهته، بالإضافة إلى إسم ثالث هو أوبرا الإسكندرية.
إذاعة وتليفزيون الإسكندرية
إذاعة الإسكندرية
أنشئت إذاعة الإسكندرية عام 1954، في مبنى خاص بمنطقة باكوس، وزردت باستديو كبير للتسجيلات الموسيقية، وآخر أصغر للبرامج الأخرى. مع افتتاحها وجد الفنان محمد عفيفي بديلا لإذاعة القاهرة فقدم إليها ألحانه بانتظام بمعدل 10 ألحان سنويا في أغنيات وأوبريتات وبأصوات جديدة قدمها للإذاعة. وأرضى عفيفي بشكل خاص أن إذاعة القاهرة كانت تخصص ساعة أسبوعية إذاعة مختارات من إذاعة الإسكندرية كان له فيها نصيب منتظم. كان محمد عفيفي يلاقي تقديرا خاصا من محمد حسن الشجاعي مستشار إذاعة القاهرة ورئيس أوركسترا الإذاعة المصرية. وكان الشجاعي يحرص على أن تقديم ألحان محمد عفيفي في مختارات الإذاعة، وهندما تطلب إذاعة الإسكندرية تسجيلات من القاهرة كان الشجاعي يرد بنفس القول كل مرة "عندكم عفيفي".. وكان يتوسط أيضا بينه وبين إدارة إذاعة الإسكندرية إذا شب بينهما خلاف. وكان العمل مع الإذاعة لا يخلو من خلافات، وهي خلافات إدارية وليست فنية بأي حال. وقد حثت مثل هذه الخلافات أيضا نع إذاعة القاهرة قبل ذلك، وكان محمد عبد الوهاب هو من يتوسط في كل مرة لإنهاء الخلاف.

لكن خلافا كبيرا حدث بينه وبين مدير إذاعة الإسكندرية حافظ عبد الوهاب جعل محمد عفيفي يترك الإذاعة بطريقة درامية ويقاطعها أكثر من عشرين عاما. كان معروفا عن حافظ عبد الوهاب أنه دكتاتور صغير يتحكم في البرامج والأشخاص حسب مزاجه الشخصي، وكان لا يجد حرجا في إبداء رأي فني في لجنة الاستماع رغم عدم كونه موسيقيا، ويروي عن موظفي الإذاعة القدامى أنه لميرق له أحد المطربين الجدد ذات مرة رغم موافقة اللجنة على صوته، فكتب على قرار اللجنة التي يرأسها "يعتمد ويصفع على قفاه"! إلى ذلك الحد كان يستهتر حافظ عبد الوهاب بالقيم وبالناس. كما أن هناك ما يروى عنه لا مجال للحديث عنه هنا، ولكن ما يهمنا أنه اصطدم بمحمد عفيفي ذلك الفنان الجاد الهادئ، فكان الخلاف ليس فقط حول موضوع بذاته، بل بين شخصيتين متناقضتين تماما. 

وقصة الخلاف أنه قد تم إسناد تلحين أوبريت لمحمد عفيفي به حوالي عشرة ألحان بعنوان "رحلة إلى العجمي" عام 1959، قصته تدور حول رحلة الصيادين في البحر. وبعد عمل شاق استغرق ثلاثة أشهر وتم التلحين والبروفات وتدريب المطربين وتسجيل الألحان وأصبح كل شيء جاهزا للإذاعة، فوجئ برفض الأوبريت. وعلم أن حافظ عبد الوهاب هو الذي قرر رفضه ولخلاف مع المؤلف. ذهب عفيفي إلى حافظ ليقابله في مكتبه ويعلن اعتراضه على ذلك الإجراء حيث أنه لا ذنب له فيه، لكن حافظ أصر على موقفه.
أمام إصرار حافظ لم تعد القصة من وجهة نظر عفيفي قصة أوبريت أو تسجيل، فقد اعتبر تصرف حافظ غير لائق ولا يمكن قبوله، وأن الأمر يتعلق أساسا بشخصية حافظ عبد الوهاب وأسلوبه، وأصدر حكمه في التو واللحظة، فأقسم ألا يتعامل مع الإذاعة طالما بقي فيها حافظ عبد الوهاب، قائلا له بالنص " والله ما انا داخلها طول ما انت فيها". حدث ذلك في أوائل عام 1960، وظل محمد عفيفي وفيا لقسمه 27 عاما لم يدخل فيها من باب الإذاعة. 
وطوال تلك السنين كان يأتي إليه من يعرفون قدره لاستمالته وإقناعه بالعودة، منهم صابر مصطفي، الذي عين مديرا فيما بعد، وآخرين، لكن محمد عفيفي ظل على موقفه. في تلك الأثناء نشط عفيفي كثيرا خارج إذاعة الإسكندرية، خاصة من خلال وزارة الثقافة التي لم تقصر في تقديره وتكريمه واعتباره من الفنانين الرواد، بفضل ما كان يقدمه من تعريف بالتراث وتدريب للفرق والأفراد، وحصل على جوائز عديدة، وكان من الآثار الإيجابية لتركه الإذاعة الانتقال من الاستديو المغلق إلى العمل الجماهيري، فاتسعت دائرة معارفه ومحبيه
في عام 1987 جاء صابر مصطفى مرة أخرى إلى محمد عفيفي في قصر ثقافة الحرية، وكان كبير المذيعين، ليخبره أن حافظ عبد الوهاب قد ترك الخدمة، ولم يعد مديرا للإذاعة، ويدعوه للعودة لاستئناف نشاطه بها. وهذه المرة قبل محمد عفيفي دعوة صابر وبالفعل سجل أول لحن له بعد عودته في نفس العام. ولدى عودته أسندت إلى محمد عفيفي لجنة استماع الموهوبين الجدد في برنامج خاص بإشراف الإذاعي المخضرم جمال توكل، وكانت مكونة من جمال توكل، محمد عفيفي، محمد المصري، وأسامة عفيفي. 
ومن خلال ذلك البرنامج الذي كان يقدمه صابر مصطفى اكتشف عفيفي مدى التدهور الثقافي الذي أصاب الشباب من الذين تقدموا إلى المسابقات. وبالتالي كان ينصحهم بالقراءة والاطلاع ودراسة الموسيقى والتدرب على الأداء، فكان يوجههم إلى قصر ثقافة الحرية لنيل ما يمكنهم من أداء أفضل في فرص قادمة. 
من ضمن القصص الصادمة التي جاءت على ألسنة الشباب قال أحدهم سأقدم أغنية "زوروني كل سنة مرة" للمطربة فيروز، وعندما سئل من ملحن هذه الأغنية أجاب "الأخوان رحباني". صدمت اللجنة من هذه لإجابة القاسية في حق سيد درويش ملحن الأغنية الشهيرة، وكان يمكن اعتبارها خطأ شخصي، لكن متقدم آخر مثلا قال سأقدم أغنية "أنا كل ما اقول التوبة" للمطربة ماجدة الرومي، بينما هي لعبد الحليم حافظ. 
وهكذا تبين أن الوسط الإعلامي قد اختلط فيه الحابل بالنابل بسبب عدم الاهتمام بتقديم المبدعين الأصليين للأعمال من ناحية، وبسبب تجاهل أسماء كبيرة مثل فيروز وماجدة الرومي لذكر أسماء أصحاب الأعمال التي يقدمونها أصلا بهدف استعلال شعبيتها ونجاحها المضمون. ربما أيامها لم يكن هناك إنترنت ولا معلومات متاحة بسهولة، لكن المتصفح للصفحات الكثيرة باسم فيروز على الإنترنت الآن في 2014 سيجد في عديد منها بالفعل اسم "الأخوين رحباني" في خانة الملحن بجوار أغنية "زوروني كل سنة مرة"!

تليفزيون الإسكندرية - القناة الخامسة
في عام 1990 تم افتتاح القناة الخامسة في مبنى أنشيء بجوار مبنى الإذاعة وداخل نفس الحرم. ولم تكن القناة الجديدة تنتج أعمالا فنية أو تملك ميزانية لذلك، لكن تواجد محمد عفيفي بالقرب من منها بعد عودته للإذاعة أتاح الفرصة للمعدين والمخرجين في التليفزيون للاستفادة من وجوده بشكل أو بآخر. وأثمر تعاونه مع التليفزيون عن عدة استضافات وحلقات فنية قدمها بنفسه في برنامج باسم :أرابيسك" من إخراج محمد السماحي، عن الفن والموسيقى الشرقية والتراث الموسيقي، بالإضافة إلى حلقات أخرى عن مشواره الفني وآرائه في القضايا الفنية، من إعداد بهاء قشطي وإخراج علي عبد الهادي، واستمر ذلك التعاون إلى عام 2003.
محمد عفيفي - مع فريق وعميد كلية الآداب - جامعة الإسكندرية
المسابقات الجامعية
في الثمانينات تم اختيار محمد عفيفي لعضوية لجنة تحكيم الجامعات، وهي لجنة فنية تحكم في مسابقات الفرق الجامعية على مستوى الجمهورية، وكانت تشارك فيها في مهرجانات سنوية فرق موسيقية وفرق كورال ومواهب فردية، وكان هذا تقليدا سائدا كالمسابقات الرياضية، لكنه لم يعد له وجود الآن بعد اختفاء الأنشطة الاجتماعية والفنية من جامعات مصر ومدارسها تدريجيا في سنوات حكم مبارك الطويلة وما صحبها من إهمال جسيم في دعم الأنشطة الطلابية أدى إلى تدهور في السلوك الاجتماعي والحس الثقافي والفني، وتخرج الآلاف من الجامعات المصرية يحملون إما ثقافة الانعزال أو ثقافة الاستقطاب السياسي الذي ملأ فراغ الأنشطة الأخرى. أشرف محمد عفيفي أيضا على إعداد وتدريب فريق كورال كلية الآداب بجامعة الإسكندرية الذي نجح في الفوز بالجوائز الأولى في عدة مسابقات، وأسهم في أنشطة كلية الفنون الجميلة، وطلبت منه كليات أخرى المساهمة في إعداد فرقها لكنه نظر إلى أن تلك الفرق تتنافس في النهاية في المسابقات الجامعية فلم يشأ أن "ينافس نفسه"!


المنطقة الشمالية العسكرية
عمل محمد عفيفي مديرا للمراجعة والمهمات في وظيفة مدنية بمقر قيادة المنطقة الشمالية العسكرية بالإسكندرية، وظل في وظيفته إلى أن تقاعد في سن الستين. وأثناء عمله بالقوات المسلحة قام باستلام أول دبابة للجيش المصري، كما قام بنشاط فني، وكون فرقة موسيقية شرقية خاصة بالمنطقة، غير الموسيقات العسكرية، كانت تشارك في احتفالات القوات المسلحة في المناسبات المختلفة.
وترك محمد عفيفي الخدمة بالتقاعد عام 1973، ويقول بمناسبة تركه الوظيفة "لا ادري لماذا يحزن الناس لتركهم وظائفهم عند التقاعد! أنا أرى العكس .. وقت الإنسان يصبح عندئذ ملكه بالكامل، ويستطيع أن يقوم بالأعمال التي كان لا يستطيع أداءها وهو مقيد بالوظيفة". بالطبع لا ينطبق هذا الوصف على الجميع، لكنه كان لديه ما يمكن أن يشغله ويملأ وقته بدافع الهواية وحب العمل. وقد طبق محمد عفيفي ما قاله على نفسه بالحرف، وبعكس معظم الناس زاد نشاطه كثيرا بعد الستين، وإلى أن قارب التسعين عاما من العمر. 
مقهى البورصة التجارية - الإسكندرية
مقاهي الإسكندرية
اعتاد محمد عفيفي إنهاء يومه في أحد مقاهي الإسكندرية الكبرى، والتي كانت مثل مقهى الفيشاوي بالقاهرة، ملتقى الشعراء والفنانين، منها قهوة النيل بميدان المنشية، والتجارية على الكورنيش بين محطة الرمل والمنشية. ومن أصدقائه المنتظمين في مقاهي الإسكندرية كان الشاعر أحمد السمرة. كان عفيفي يجلس ليشرب القهوة ويدخن الشيشة وربما يركز ذهنه فيكتب شيئا أو يفكر في لحن جديد، هو يحمل في جيبه دائما قلما وورقة، ويسجل ما قد يخطر على باله من خواطر. ولم يكن أي شيء يمنعه عن عادته في ارتياد المقهى آخر اليوم، وحاولت زوجته كثيرا إثناءه عنها لكنها كانت عادة قديمة له. ويذكر عفيفي قصة استضافته لمحمد عبد الوهاب في بداية تعارفهما في أحد مقاهي الإسكندرية، فقد أخبره أنه يريد أن يسمعه شيئا وطلب منه مرافقته للمقهى. بعد قليل مر احد الباعة ينادي على "فول سوداني" .. لكن أي نداء .. إن الرجل يغني بالفعل .. دهش عبد الوهاب وأبدى إعجابه كثيرا بما سمعه من البائع، وبعد أشهر قليلة ظهرت أنغام البائع الشعبي في أحد ألحان عبد الوهاب الجديدة. كان البائع يقول أبياتا من شعر قديم للشاعر والبطل القومي عبد الله النديم
والله ان سعدني زماني لاسكنك يا مصر
وابني لك جنينة ومن جوه الجنينة قصر
واجيب منادي ينادي كل يوم العصر .. لذيذ وحمش!
أما أغنية عبد الوهاب بنفس اللحن فكانت كلماتها تقول "واديني شايف بعينه كل اللي شايفه بعينه" .. وكان عفيفي يذكر هذه القصة لمن حوله ليدلل على أن الموسيقى والألحان لا بد أن يكون لها أصل شعبي حتى تتمتع بالأصالة الحقيقية، وكان يذكر أيضا أن سيد درويش كان يأخذ نغمات ألحانه من أفواه الباعة والناس في الموالد والأفراح.

22 أبريل 2014

محمد عفيفي - روح العطاء وأحكام القضاء

يعتبر كثير من أبناء الإسكندرية الفنان محمد عفيفى والدا لهم بجانب كونه أستاذا. فقد اجتذب بشخصيته الهادئة وابتسامته الجذابة وتمكنه الفائق من فنه وإخلاصه له أناسا من جميع الأعمار والفئات، منهم من كان حريصا على الاستماع إليه في ندواته وبروفاته دون الاشتراك الفعلي فى أى نشاط حبا في الالتفاف حوله والاستمتاع بما يقول، وكان حكاياته عن الفن وأهل الفن لا تنتهي، ومنهم من احترف الموسيقى وأصبحت له عملا مستقلا، ومنهم من لمع واشتهر.

ألحان لمحمد عفيفي نسبها آخرون لأنفسهم
وليس هناك فنان من الإسكندرية لا يعرف محمد عفيفى، فقد عرفه جميعهم الكبار منهم والصغار، ومن أعماله أنه قدم أكثر من أربعمائة لحن ونشيد لمدارس الإسكندرية تعزف في المناسبات المختلفة. وظل محمد عفيفي رجعا للكثيرين عند اضطلاعهم بالقيام بأعمالهم الخاصة. وكان له الفضل في نجاح فنانين بإشرافه على أعمال بعينها كانت سببا في شهرتهم، على سبيل المثـال أغنية "يا زايد في الحلاوة" التي ذاع صيتها في الإسكندرية كثيرا لجمال لحنها الذي ظهر فيه الطرب الأصيل من غناء عزت عوض الله، فقد وضع لحنها الأساسي محمد عفيفي، واستأذنه عزت عوض الله بحكم صداقتهما في أن يضع كلمات أخرى على اللحن، فوافقه عفيفي من باب المساعدة والمساندة، لكن عوض الله نسب اللحن لنفسه بحجة إدخال بعض التغييرات. وكذلك كان الحال في لحن "نوارة حارتنا". ومن الألحان المعروفة للمطرب كارم محمود اللحن الشهير "أمانة عليك"، فقد لجأ كارم إلى محمد عفيفي لمساعدته في وضع اللحن الذي كان من أسباب شهرته دون مقابل. 

محمد عفيفي أستاذا لكمال الطويل
أما الملحن كمال الطويل فقد ذكر الشيخ زكريا أحمد عنه في مذكراته أنه استقبله ذات يوم ليتعرف على موهبته الفنية فنصحه بتعلم الموسيقى والعزف على العود كي يكون له مكان بين الملحنين الأقدار، وأرشده إلى محمد عفيفي. وقد تعلم كمال الطويل على يد محمد عفيفى في معهد الموسيقى العربية ، في الموسيقى النظرية والمقامات كما في آلة العود. ويشير بيان تقديرات الطلاب بالمعهد إلى اسم "كمال الطويل" حاصلا على تقدير "جيد" بتوقيع الأستاذ محمد عفيفي. ثم احترف كمال الفن بعد ذلك وأصبح من أفضل الملحنين المصريين بل وضع موسيقى النشيد الوطني المصري في فترة هامة من تاريخ مصر، وهو نشيد "والله زمان يا سلاحي" الذي غنته أم كلثوم.

الشيخ زكريا يتأثر بلحن لمحمد عفيفي في "الورد جميل"لأم كلثوم
أما الشيخ زكريا فقد كان صديقا لمحمد عفيفى وكان يزوره باستمرار فى الإسكندرية، وقد تأثر الفنانان بأحدهما الآخر فكان محمد عفيفى يعجب كثير بألحان زكريا وخاصة " قفلاته" اللحنية والتي لم يكن يستطيع أداءها إلا فنان متمكن، وكذلك تمسكه بالخط الشرقي والشعبي الأصيل. ومن أحد ألحان محمد عفيفي التي تأثر بها زكريا أحمد اللحن الأساسي فى أغنية "إنت جيت" التي كان قد أعدها لأم كلثوم وأسمعها لزكريا قبل أن يقدمها إليها، وظهر ذلك اللحن بعد ذلك فى الأغنية الشهيرة " الورد جميل"!
وقد اقترب محمد عفيفى من الشيخ زكريا كثيرا حتى أنه قد حفظ عنه بعض ألحانه التى لم تقدم جماهيريا، ومنها لحن "البرنيطة" ولحن "قدر ده وده .. ياما ناس كمالة عدد !" من كلمات بيرم التونسى. وقد اهتم فناننا بتقديم تلك الأعمال بينما كان يحتفي كل عام بذكرى ميلاد زكريا أحمد، وأيضا لتقديره الخاص لبيرم وشعره، واستمر في تقديمها للجمهور كل عام وتحفيظها للأجيال الجديدة وفاء لصديقه الذي أحبه وأحب فنه.

نعم ، إن محمد عفيفى لم يكن يأبه كثيرا إذا اكتشف أحد ألحانه يؤديها آخر وينسبها لنفسه، ولكن مرجع ذلك كان إلى أن كل الذين أخذوا عنه كان يحبهم ولم يشأ أن يفسد علاقته بهم أي شئ!
ويكفى للاستدلال على ذلك أنه لم يبح بهذا لأحد إلا لأقرب الناس وفى مناسبات محدودة للغاية، وكان يتعجب من يعلم بها من عدم بوح عفيفي بهذه المعلومات لسنوات، وتصيبهم الدهشة لتطابق الألحان عند سماع اللحن الأصلي بكلمات مختلفة، وعند سؤاله لماذا لا يعرف الناس أن هناك فنانين ينقلون منك، يرد قائلا: " ما احبش ازعلهم"..
ولم يكن هذا الموقف أبدا عن ضعف أو قلة حجة ، ومحمد عفيفى له صولات وجولات في ساحات القضاء يرفع الدعاوى على من يختصمه، ويكسبها دائما لأنه كان على حق في كل مرة. 

ألحان محمد عفيفي لفتحية أحمد أمام المحاكم
ومن دعاواه الشهيرة قضية مطربة القطرين فتحية أحمد، فبعد أن طلبت من التلحين لها وكانت هي التى سعت إليه، ولم يكن قد لحن لها غير القصبجي وزكريا والسنباطي، رفضت تسديد ثمن الألحان المتفق عليه. وكاد الفنان الرقيق أن يسكت كعادته لولا أنها عند مطالبته لها عن طريق أحد أصدقاء الطرفين تفوهت بكلمة أثارت غضبه الشديد، فقد قالت "ألا يكفيه أنه لحن لفتحية أحمد؟"! وهنا ثارت كرامة الفنان التي وضعها دائما فوق كل اعتبار، فقرر مقاضاتها على الفور واستمر نظر القضية 15 سنة تغيرت فيها أحوال فتحية ونسيها الناس وفقدت سلطانها وثروتها معا، ولم تعد تستطيع أداء ثمن الألحان. 
ولما أحست باقتراب الحكم في القضية لصالح محمد عفيفى أرسلت له أكثر من رسول يرجونه العفو عنها والتنازل عن حقه لعدم استطاعتها الوفاء به، ولم يأبه الفنان لتوسلاتها وأصر على أن تدفع فتحية الثمن مرتين، مرة بدفع المبلغ نفسه، ومرة بدفعه وهى لا تستطيع. بالفعل حكمت المحكمة لصالحه وهي لا تملك المال الكافي فصدر أمر بالحجز على ما تبقى من ممتلكاتها وبيع لصالح تنفيذ الحكم بأمر المحكمة. وهنا فقط استراح محمد عفيفى وقد ثأر لكرامته. 
وكان بين أم كلثوم والشيخ زكريا أحمد قضية مماثلة أمام المحاكم، أيضا بسبب عدم الوفاء بأجر الملحن، واستمرت نحو 13 سنة هي الأخرى ثم انتهت بالتصالح بينهما. 

محمد عفيفي يقاضي وزارة الثقافة
وله أيضا قضية مع وزارة الثقافة التي حجبت عنه مكافآت استحقها عن عمل خمس سنوات متصلة دون أن يصله شيئ. وأحس محمد عفيفي أن الفساد الإداري قد زاد عن حده فقرر مقاضاة الوزارة. ولما شعر المسئولون بحجم القضية، خاصة عندما تسرب الموضوع للصحف، أرسلوا إليه أكثر من عرض للتسوية، لكنه لم يرضخ للمساومات. ورغم أن المبلغ المستحق لم يكن يمثل ثروة لكن أبعاد القضية الأدبية كانت كافية لإزعاج المسئولين أيما إزعاج، ولا سيما أنها كانت "فلوس ميري" ولا يمكن دفعها بسهولة فلا بد من تبرير أو اعتراف بالإهمال. واستمرت المداولات بين الإسكندرية والقاهرة إلى أن جاء موعد جلسة النطق بالحكم بمحكمة الإسكندرية، وإذا بمندوب الوزارة يفاجئ الحاضرين بأن الوزارة قررت دفع المبلغ المطلوب بالكامل قبل النطق بالحكم. وتم دفعه فعلا داخل قاعة المحكمة ونقدا..! وهكذا أفلت المهملون من حكم مشين. 
ورغم ذلك الموقف أرسلت وزارة الثقافة خطابا لمحمد عفيفي بعده بأشهر لتخبره أنه قد تقرر تكريمه في مئوية سيد درويش بالإسكندرية في فئة "الرواد". وبالفعل تسلم درع وزارة الثقافة في تلك المناسبة عام 1990 بحضور قوي من أهل الفن والثقافة في مصر.
لهذه المواقف وغيرها التي تبين تشدد محمد عفيفي في الحق والكرامة لا يمكن بأي حال اعتبار أن تنازله عن بعض ألحانه لغيره، والتي كانت سببا فى شهرتهم وكسبوا من ورائها الكثير، كان بسبب ضعف أو انعدام حجة. فقد كان هؤلاء إما تلامذة له أو أصدقاء أو فنانين أحبهم وأحبوه، وأراد لهم الخير والنجاح ومنحهم ما استطاع عن حب وتقدير. وهو الذي كان يردد إذا ما سأله الناس عن موقفه إذا سرق أحدهم ألحانه " حد يقدر؟"..

وهناك كثيرون في الإسكندرية اكتشف موهبتهم محمد عفيفى وقدمهم للجمهور. ولكن ربما كان أجل خدماته لهم أنه ساعدهم على احتراف الفن "على أصوله"، فأصبح لهم عملا ومورد رزق، وبدلا من أن يرتمي الفنان من هؤلاء في أوساط الملاهي والأفراح كان يدعوهم إلى الدراسة العلمية ونيل شهادات محترمة، فمنهم من أصبح مدرسا للموسيقى ومنهم من عمل بالإذاعة، ومنهم من اتجه للقاهرة وسطع نجمه، ومنهم من سافر للخارج وكون ثروة من عمله بالموسيقى.

وكل هؤلاء يعترفون بالجميل لأستاذهم ويقدرونه حق التقدير، إلا أنه لم يتقاض من أحد ثمن ما أصبح عليه، كان ينظر إليهم كأنهم أولاده .. ومن الذى ينتظر من أولاده شيئا؟ .. وكان يشعر فى قرارة نفسه أنه قد خدم الفن أولا بإضافة محترمة، ثم خدم الناس للإنسانية ليس إلا، وهو في الحالين يؤدي خدماته لوجه الله لا يريد من أحد جزاء أو شكورا... وإنما هي رسالته أن يرقى الناس بفكرهم وفنهم إلى أعلى المراتب في وسط من السهل فيه الانزلاق والضياع. وقد كان هو نفسه قدوة للجميع فلم يعرف عنه لا لهو ولا استهتار، وقد غرس مع فنه حسن الخلق والمثل العليا في قلوب الناس.

20 أبريل 2014

محمد عفيفي ومطربة القطرين فتحية أحمد

ألحان محمد عفيفي لمطربة القطرين فتحية أحمد - تسجيلات الإذاعة

غنـــــــــاء
الإذاعة
الكلمــــات
النوع
اللحــــــن
تاريـــــــخ
فتحية أحمد
القاهرة
محمد الحسينى
أغنية
مصر الحــرة
1952/11
فتحية أحمد
القاهرة
محمد الحسينى
أغنية
على ضي القمر
1952/12
فتحية أحمد
لنــــدن
محمد الحسينى
أغنية
أحب الورد
4 / 1953
فتحية أحمد
القاهرة
محمد الحسينى
أغنية
عهود النيــل
5 / 1953
فتحية أحمد
القاهرة
محمد الحسينى
أغنية
يا ليل يا ليــل
5 / 1953

محمد عفيفي وفتحية أحمد
عام 1952 طلبت المطربة فتحية أحمد من معارفها ترتيب لقاء مع الملحن محمد عفيفي، لكنهم أخبروها بأنه لا يذهب لأحد، وإذا أرادت لقاءه فعليها طرق بابه بنفسها. كانت فتحية قد استمعت إلى ألحان عفيفي لأختها المطربة مفيدة أحمد المقيمة يالإسكندرية، وكانت ثالثة 3 أخوات مطربات هن فتحية ورتيبة ومفيدة. نشأ الثلاثي الطروب في وسط فني بفضل والدهن المطرب والمنشد أحمد الحمزاوي.  
وكانت فتحية أفضلهن صوتا وأداء وخبرة، فقد عاصرت الشيخ سيد درويش وغنت ألحانه في حياته على المسرح. ومن تلك الألحان أشهر أغنياته الحلوة دي، طلعت يا ماحلى نورها، وغيرها، كما غنت من ألحان زكريا أحمد كثيرا ومن أشهر ألحانه لها "يا حلاوة الدنيا" في أوبريت يوم القيامة عام 1946. وفي ذلك الوقت كانت فتحية منافسة قوية لأم كلثوم التي كانت تخشى منافسة فتحية لما عرف عنها من صوت قوي نقي متمكن، وأداء رفيع المستوى خاصة في القصائد. 

في الوقت الذي طلبت فيه فتحية مقابلة محمد عفيفي لم يكن يلحن لها إلا ثلاثة من كبار الملحنين هم محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي. لكن حاستها الفنية دلتها على أن ذلك الملحن السكندري الذي نشأ في مدينة سيد درويش والعاشق لألحانه يستطيع أن يقدم لها جديدا يستحق البحث عنه. 
وبالفعل ذهبت مطربة القطرين إلى منزل محمد عفيفي في الإسكندرية، وكان اسم فتحية في ذلك الوقت لا يقل عن اسم أم كلثوم، وطرقت الباب ففتحت لها زوجته السيدة إحسان عبد الرحمن، فسألتها فتحية .. الأستاذ عفيفي موجود؟ فلما أجابتها بالإيجاب طلبت منها أن تخبره أن فتحية أحمد بالباب. استقبلتها الزوجة بكل ترحاب ثم أسرعت تخبر محمد عفيفي بالمفاجأة .. قام عفيفي من مجلسه لمقابلة فتحية مرحبا بها ومثنيا عليها، فأخبرته أنها جاءته للاتفاق على ألحان جديدة لها بعد أن أبدت إعجابها بألحانه لأختها ولغيرها. وبعد جلسة ودية تم الاتفاق بينهما في نفس اليوم. 
حصلت فتحية على 7 ألحان لمحمد عفيفي خلال عامي 1952 و1953 سجلت 5 منها لإذاعتي القاهرة ولندن. 
وبهذا اللقاء فازت فتحية أحمد بالألحان وأصبح محمد عفيفي رابع الملحنين الثلاثة الكبار. 
أحب الورد - غناء فتحية أحمد 
كلمات محمد الحسيني - ألحان محمد عفيفي
محمد عفيفي يتحدث عن فتحية أحمد
لقاء تليفزيوني بالقناة الخامسة المصرية

لكن ذلك الود لم يدم طويلا. فبعد تسجيل تلك الألحان، وبالتالي تقاضت كامل الأجر عنها من الإذاعة، ومقابل لحن "أحب الورد" فقط تقاضت 400 جنيه استرليني من الإذاعة البريطانية BBC تجاهلت فتحية دفع أجر الملحن وتناست الأمر لسنوات. كان الأجر المتفق عليه 100 جنيه لكل لحن، وهو بالطبع مبلغ كبير للغاية بلغة عام 1952 (الجنيه = 4 دولار أمريكي في ذلك الوقت). أرسل إليها عفيفي رسائل مع معارف الطرفين مطالبا بأجره دون جدوى. . 
اندهش عفيفي من هذا الموقف خاصة أنها هي التي سعت إليه ليلحن لها، فقرر مقاضاتها مطالبا بحقه ومثبتا لما تم من اتفاقات وإذاعات، لإرغامها على سداد استحقاقاته. وبالفعل استطاع الحصول على حكم ضدها بالوفاء بالتزاماتها كاملة. 
لكن القضية استغرقت سنوات أمام المحكمة، خفت خلالها نجم فتحية أحمد وتراجع رصيدها في البنك كثيرا، فقضت المحكمة بالحجز على ما تبقى لها من ممتلكات وفاء للدين المستحق. أرسلت فتحية الأصدقاء إلى محمد عفيفي تعتذر وتطلب السماح لأنه لم يعد بإمكانها الوفاء، لكنه لم يأبه بتوسلاتها، وتم تنفيذ الحجز على منزل لها بالإسكندرية لصالحه.
بعد وفاة فتحية بسنوات طويلة تستضيف القناة الخامسة محمد عفيفي في لقاء تليفزيوني ليتحدث عن فتحية أحمد فيشيد بها وبصوتها وقدرتها الهائلة على التعبير ويذكر أنه قد لحن لها 7 ألحان منها لحن "أحب الورد" الذي نشرنا تسجيله في هذا الموقع، ويظهر قدرة فتحية أحمد وإمكانيات صوتها الفريد. وذكر أنه تم تسجيله في إذاعة بي بي سي بانجلترا، كما تحدث عن زوجها أحمد فؤاد علام عازف الكمان الأول في فرقة حسين جنيد التي كانت تعمل بالإسكندرية، وكيف أنه كان يعاونه في تدريب الفرقة على أداء ألحانه لفتحية، وننشر هنا تسجيلا لذلك الحديث الذي تم تقريبا عام 1991