23 مايو، 2014

إنت جيت - ألحان محمد عفيفي

أغنية "إنت جيت" إحدى 3 أغنيات لكوكب الشرق أم كلثوم من ألحان الفنان محمد عفيفي. أعد اللحن عام 1943 وسجل لإذاعة القاهرة عام 1944 واقتبس منها صديقه الشيخ زكريا أحمد موسيقى أغنية "الورد جميل" لأم كلثوم، وكذلك القفلة الغنائية المميزة، عام 1947.
سنستمع هنا إلى لحن "إنت جيت" بصوت ملحنها، وربما لا نحتاج إلى الاستماع إلى نظيرتها "الورد جميل" لزكريا أحمد، من فيلم "فاطمة"، نظرا لشهرتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنه ليست هناك حاجة لإيضاح أو شرح أوجه الشبه بين اللحنين. 
وفنيا تتركز أوجه الشبه في 8 عناصر، بعضها عناصر عامة يمكن أن تتشابه فيها ألحان كثيرة وهي:
1. المقام الأساسي: راحة أرواح، وهو فرع مصور من فروع مقام السيكاه
2. الإيقاع: فالس
3. القالب: الأغنية القصيرة
4. تفرع المقامات من المقام الأساسي
·       الكوبليه الأول من المقام الأساسي في الأغنيتين
·       الكوبليه الثاني من مقام البياتي في الأغنيتين
·       الكوبليه الثالث من مقام راست النوا في الأغنيتين
5. أعدت الأغنيتان لتغنيهما أم كلثوم

ويظهر عنصران آخران كاقتباس فقرات بذاتها، وهما كما ذكرنا:
6. اللازمة" الموسيقية الرئيسية في الورد جميل والتي تتكرر بين الكوبليهات، من مقام راست النوا، وهي مقتبسة، تقريبا كما هي، من لازمة الكوبليه الأخير في "إنت جيت".
7. الجملة الغنائية الختامية في المذهب "شوف واتعلم" والمقارنة سهلة جدا بين الجملتين.

8. هناك خاصية مميزة لهذا اللحن أيضا تميزه عن بقية ألحان الشيخ زكريا أحمد، فالأغنية تتفرد بأنها بالكامل على إيقاع واحد، وهو ما لم يعرف عن ألحان زكريا، سواء كملحن للأغاني التقليدية أو حتى في ألحانه للمسرح.
وكونها على نفس الإيقاع، وهو إيقاع غير تقليدي إذ أنه ثلاثي وليس رباعيا، وليس من المعتاد عمل لحن كامل على إيقاع ثلاثي، ينحو بها إلى فلسفة معينة في التلحين هي الحفاظ على تجانس ووحدة اللحن والجو العام. يتضح ذلك أكثر إذا قارننا هذا النوع من الألحان بأخرى يتوقف فيها الإيقاع ليبدأ آخر، وهذا هو الشائع عند زكريا ومعظم الملحنين. 
وتكاد "الورد جميل" تكون الأغنية الوحيدة التي غنتها أم كلثوم على هذا النحو. هذا يدعونا إلى التأمل أكثر في أن الأسلوب كان جديدا على زكريا وعلى أم كلثوم، بل على الموسيقى العربية بأسرها. ثم إنه لم يتكرر لا مع زكريا ولا مع أم كلثوم ولا مع غيرهم، ولهذا ينظر إليها باعتبارها نموذجا فريدا. 

وربما تدعونا هذه النظرة إلى اكتشاف أن زكريا قدم لحنا على غير أسلوبه، كما تدعونا للنظر إلى "إنت جيت" باعتبارها الأصل الذي أوحى للشيخ زكريا تجربته الجديدة. لمثل هذا ندعو كل النقاد والمؤرخين والإعلاميين إلى إعادة اكتشاف أعمال الرواد الذين لم تكتب لهم الشهرة مثل غيرهم، وعلى رأسهم الفنان محمد عفيفي، وأيضا لاكتشاف المواهب الجديدة في عالم الفن وعدم الاكتفاء بالأسماء المعروفة، والتي قد يصنع الكثير منها الإعلام أكثر مما يصنعها الفن.

ومن أسرار ذلك اللحن "إنت جيت" أن الشيخ زكريا استمع إليه مباشرة من الملحن، حيث كانت تربطه به صداقة كبيرة، وكان عفيفي يستضيفه في منزله كلما قدم زكريا إلى الإسكندرية. ولم يقتصر الأمر على إعجاب عفيفي بألحان الشيخ زكريا الأصيلة، فقد كان زكريا أيضا يطلب منه أن يسمعه ألحانه كلما اجتمعا في سهرة فنية.
وصداقات عفيفي مع كبار الملحنين ليست أمرا غير معروف، فقد كانت تربطه صداقة بمحمد عبد الوهاب، وكانا يلتقيان في الإسكندرية وفي القاهرة أيضا منذ أن تعارفا عام 1929 في حفل على مسرح زيزنيا، وكان عبد الوهاب يتوسط أحيانا لحل بعض القضايا بين محمد عفيفي والإذاعة، كما كان على صلة بالموسيقار العظيم محمد القصبجي والتقى به كثيرا. 
هل اكتشفت أم كلثوم اقتباس زكريا للحن الورد جميل؟ لا أحد يدري متى تم لأم كلثوم ذلك، لكنها قاطعت زكريا أحمد مباشرة بعد تسجيل اللحن وعرض فيلم "فاطمة" عام 1947 لمدة 13 عاما وإلى قبل وفاته بعام واحد. كانت هناك مسائل أخرى عالقة بين أم كلثوم وزكريا وصلت إلى ساحات المحاكم، لكن هذه المسألة حسمها عفيفي الذي لم يشأ إحراج صديقه بأي شكل. 
سجل محمد عفيفي الأغنية بصوت "فوزية أحمد" لإذاعة القاهرة في أوائل عام 1944، وبالتحديد في شهر يناير حسب ما ورد في سجلات الإذاعة المصرية. وعلى هذا يكون قد تم عرض اللحن على أم كلثوم خلال عام 1943 لكنها لم تأخذ قرارا فيه. لم ينتظر محمد عفيفي إجابة أم كلثوم كثيرا، وسارع إلى تسجيله بصوت مطربة أخرى. 

كان محمد عفيفي شابا دون الثلاثين من عمره، ومقارنة بأعمار الملحنين الآخرين لأم كلثوم كان القصبجي في الخمسين، وزكريا دون الخمسين بقليل، والسنباطي تجاوز الأربعين عاما، وكانوا في ذلك الوقت أسماء كبيرة في عالم الفن. هل حال صغر سن محمد عفيفي في ذلك الوقت دون إتمام الاتفاق بينه وبين أم كلثوم؟ ربما .. لقد قبلت أم كلثوم عام 1959 لحنا من ملحن شاب هو بليغ حمدي وكان في مثل سن محمد عفيفي تقريبا عندما غنت له أم كلثوم، لكنها لم تلتق به وإنما قدم لحنه إليها الفنان محمد فوزي، وقبلته على أنه من ألحانه، وكان قد تجاوز الأربعين وحقق شهرة لا بأس بها، ثم فوجئت أم كلثوم باعتراف فوزي بأن اللحن ليس له وإنما من ألحان ملحن جديد. لم تستطع أم كلثوم سحب موافقتها على اللحن لمجرد علمها بأن ملحنه شاب في مقتبل العمر وإلا اعتبر نوعا من التمييز، وعليه فقد مضت الشوط لآخره. 

كانت هناك ألحان أخرى لمحمد عفيفي أمام أم كلثوم مثل "حلفت لي" و"الدنيا غنت"، لكن أم كلثوم لم تبت في الأمر، وأيضا لم ينتظر عفيفي طويلا وقرر تسجيلهما بأصوات أخرى.

عام 1952 اتفق محمد عفيفي مع مطربة القطرين فتحية أحمد، منافسة أم كلثوم القوية، على 7 ألحان دفعة واحدة عندما قامت بزيارته في الإسكندرية، سجلت منها 5 ألحان، وهنا توقفت المفاوضات بين أم كلثوم ومحمد عفيفي بسبب قيامه بالتلحين لمنافستها، تماما كما توقف التعامل بينها وبين محمد القصبجي بسبب تلحينه لأسمهان. لكن الأمر بالنسبة إليه كان مجرد "تحصيل حاصل" فهو لم يطق طول الانتظار وربما طوى صفحة أم كلثوم قبل أن تطويها هي، على عكس ما أظهره القصبجي من صبر طويل أملا في أن تغني له أم كلثوم مرة أخرى، وهو ما لم يحدث. هذا لم ينزل من قدر أم كلثوم عند محمد عفيفي فقد كان يكن لها تقديرا كبيرا لموهبتها الفذة في الغناء، وكان يعتبر الفن بالنسبة له أهم من البيزنس والشهرة، ولذلك لم يلتفت كثيرا إلى ظروف الأعمال والاتفاقات، ومضي يقدم ألحانه دون اكتراث.

كذلك لم يكترث باقتباس زكريا للحنه ولم يتوقف عنده كثيرا، وقدر أن الرجل ربما تأثر بما سمع وعلق اللحن في أذنيه فخرج عفويا دون قصد النقل أو الاقتباس، وكان عفيفي يحمل إعجابا كبيرا للشيخ زكريا وقال عنه ذات مرة واصفا تمكنه من التلحين "الشيخ زكريا عندما يلحن يخيف الملحنين الآخرين". كما ظل عفيفي على إخلاصه لزكريا بعد رحيله وقام بإرساء تقليد إحياء ذكرى الشيخ زكريا كل عام على مسارح الإسكندرية، وكان يقدم بنفسه ألحانا غير معروفة لزكريا في العروض الحية والندوات، وقرن بينها وبين ذكرى بيرم التونسي، وهو التقليد الذي انتقل للقاهرة فيما بعد.

عام 1969 جاء إلى الإسكندرية وفد إذاعي من إذاعة الشرق الأوسط برئاسة كبير المذيعين "محمد أنور" للقاء محمد عفيفي في قصر ثقافة الحرية، مركز الإبداع حاليا. كان بصحبة محمد أنور الإعلاميان الكبيران حسن شمس ، وحسن حامد الذي تولى رئاسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون فيما بعد. كانت الزيارة لاستطلاع أعمال الفنان السكندري الذي لا يرغب في العمل بالقاهرة، وتسجيلها في حلقة خاصة من برنامج "سهرة مع فنان". وكان الكنز الثمين الذي ظفر به ذلك الوفد هو تسجيلات لألحان محمد عفيفي لأم كلثوم . وبالفعل سجل الفريق أغنيتين إحداهما كانت "إنت جيت". 
وعندما سئل عفيفي في البرنامج لماذا لم تر هذه الألحان النور ولم تقم أم كلثوم بتسجيلها قال "أسباب خارجة عن الإرادة". 
كانت أم كلثوم على قيد الحياة وفي عز نشاطها، وتنتبه إلى كل صغيرة وكبيرة في الوسط الإعلامي تذكر اسمها، بدليل موقفها من الإذاعية الكبيرة آمال فهمي بسبب كلمة في برنامجها، وإصرارها على أن تترك الإذاعة تماما، وهو ما حدث بالفعل. أذيع برنامج "سهرة مع فنان" وأعيدت إذاعته وسمعه الكثيرون، ولم تنف أم كلثوم اتفاقها مع محمد عفيفي كما أذيع، وربما اعتبر الطرفان أن تلك الاتفاقات قد عبرها الزمن ولا ضير من تذكرها. 
لنستمع الآن إلى "إنت جيت" .. كلمات عبد الرحمن عمر وألحان محمد عفيفي 
تسجيل نادر بصوت الملحن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق