21 أغسطس، 2014

جميل يا ليل - غناء أسامة رؤوف - ألحان محمد عفيفي

غنى المطرب السكندري أسامة رؤوف أغنية "جميل يا ليل" من ألحان محمد عفيفي لإذاعة الإسكندرية عام 1992، بعد نحو خمس سنوات من عودة محمد عفيفي للتعامل مع الإذاعة التي قاطعها لأكثر من عشرين عاما. ترك محمد عفيفي الإذاعة عام 1960 إثر خلاف حاد مع مديرها حافظ عبد الوهاب انتهى بأن أقسم في مكتب حافظ ألا يدخلها طالما بقي حافظ مديرا لها.

كان محمد عفيفي في ذلك الوقت يقدم لإذاعة الإسكندرية 10 إلى 12 لحنا كل عام، نصفها تقريبا ألحان فردية والنصف الآخر داخل أوبريتات إذاعية. مع مرور الوقت انخفض إنتاج الإذاعة وأصبح لا يزيد عن لحن أو اثنين كل عام لكل ملحن. كانت أغنية "جميل يا ليل" سادس ألحان محمد عفيفي للإذاعة بعد عودته، وأول ألحانه للمطرب أسامة رؤوف، كلمات فوزي السعداوي، أما لحنه الثاني لأسامة رؤوف فقد كان في العام التالي 1993 بعنوان "أنا متفائل" من كلمات عبد المنعم كاسب. 
لحن محمد عفيفي "جميل يا ليل" من مقام زنجران النادر الذي ابتكره الشيخ سيد درويش ولحن منه دور "في شرع مين"، كما لحن منه الشيخ زكريا أحمد "ياحلاوة الدنيا" التي غنتها المطربة فتحية أحمد في أوبريت "يوم القيامة" عام 1945. ويتنقل اللحن بين مقامات شجية كالعجم وشوق أفزا القريبة من الزنجران، كما ضم موالا قريبا من الفولكلور السكندري أبدع أسامة رؤوف في أدائه.

يقترب الجو العام للحن "جميل يا ليل" من جو أغنية "يا حلاوة الدنيا" فهما من نفس المقام، لكن هناك تقاربا آخر في الخلفية هو النظر إلى معاني "حلاوة الدنيا" رغم مآسيها و "جمال الليل" رغم قسوة الليالي أحيانا، وهي لا شك دعوة للتفاؤل وتأمل الجانب الجميل في الحياة رغم كل شيء. وإذا تأملنا ألحان محمد عفيفي في تلك الفترة سنكتشف أغنيات تحمل عناوين مثل "الدنيا الحلوة"، "وحشتني ضحكتك"، "أنا متفائل"، افتحوا الأبواب" و "دنيا وردية"، وهي أغان وإن اختلف كتابها تشترك فيما بينها بأنها أغاني متفائلة، وبأنها من اختيار الملحن كما جرت العادة في إذاعة الإسكندرية، إذ كانت تمنح الملحن حرية اختيار الكلمات من عشرات النصوص التي تعرض عليه، ولا شك أن الملحن هنا قد خط خطا يربط بين تلك الأغاني عكس في الواقع جانبا هاما من شخصيته هو ونظرته للحياة.
أسامة رؤوف
وأسامة رؤوف من الفنانين المتميزين الذين قدمتهم الإسكندرية، ويتمتع بصوت حساس وأداء معبر، ومن أشهر ما قدم أغنية سيناء "أرض الفيروز" من ألحان محمد الموجي، كما قدم للسينما من ألحان الموجي أيضا أغنية "شيء غريب شيء عجيب" في فيلم منتهى الفرح الذي غنى فيه محمد عبد الوهاب أغنيته "هان الود" عام 1963. لكن أسامة رؤوف اختار أيضا الالتزام بالإقامة في مدينته الإسكندرية، وبذلك اشترك مع الملحن القدير محمد عفيفي في البعد عن أضواء العاصمة.

أتذكر جيدا كيف كان لقاء أسامة رؤوف ومحمد عفيفي أثناء أداء بروفات هذا اللحن فقد شرفني الاثنان في منزلي بينما قمت بعزف اللحن على الأورج، وكان أسامة يجتهد كثيرا في أداء البروفة، لكنه كان يتوقف في بعض المقاطع ليبدي إعجابه بها. وأعتقد أن لدي نسخة تم تسجيلها لإحدى تلك البروفات ربما تتاح الفرصة لنشرها. 

مرت سنوات طويلة على هذا اللقاء بأسامة رؤوف، وكان لي شرف لقائه قبل ذلك في عمل فني بأغنية من ألحاني لإذاعة الإسكندرية أيضا عام 1990 يقول فيها الشاعر حمدي حامد مخاطبا المدينة العزيزة التي يعشقها أبناؤها وغير أبنائها "وكل الدنيا من بعدك .. مجرد نقطة ع الهامش"! 

ثم دعوته هذا العام 2014 للاشتراك في أمسية فنية بمناسبة ذكرى ميلاد الفنان محمد عفيفي، وذكرت له أن يجب تكريمه هو الآخر بعد هذا المشوار الطويل، وقبل الدعوة مشكورا لكنه اعتذر في آخر لحظة لأسباب صحية، لكن المفاجأة الأكبر كانت في تصريحه لي بأنه لا يحتفظ بتسجيلات أغانيه ولا أرشيف ولا أي شيء من أعماله! كانت هذه صدمة لي لكني وعدته بأني سأعرض ما أحتفظ به من أعماله في مكتبتي، وهذه الأغنية اليوم هي أول ما أمكن. وبهذه المناسبة أدعو كل من يقرأ هذه السطور ممن لديهم مكتبات فنية بعرض ما لديهم حتى لا تضيع تلك الثروات بمرور الزمن.

بقيت الإشارة إلى أن صوت المذيع الذي قدم الأغنية في هذا التسجيل الإذاعي هو صوت "صابر مصطفى" ابن إذاعة الإسكندرية البار والذي تدرج في مناصبها حتى كبير مذيعين ثم تولى إدراتها بعد خروج حافظ عبد الوهاب، وكان له دور هام في عودة محمد عفيفي للإذاعة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق